الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
116
تفسير روح البيان
ظاهر يا له واللّه تعالى إذا أراد بكاء عبده وحنينه إلى جنابه ابتلاء بالفراق أو بالجوع أو بغيرهما كما لا يخفى على أهل القلوب وفي ذلك ترقيات له عجيبة وتجليات له غريبة قد شاهدت هذه الحال من بعض أهل الكمال وهاهنا سؤال وهو انه كيف يستقيم الاخبار في الأزل عن إرسال نوح عليه السلام بلفظ الماضي ونوح وقومه لم يجد بعد والجواب ان هذا الاخبار بالنسبة إلى الأزل لا يتصف بشئ من الأزمنة إذ لا ماضي ولا مستقبل ولا حال بالنسبة إلى اللّه تعالى واتصافه به انما هو بالنسبة إلى توجه الخطاب للسامع فإن كان معنى الكلام سابقا على توجه الخطاب له كان ماضيا وان كان معه أو بعده فالحال أو الاستقبال إِنِّي اى فقال لقومه انى لَكُمْ نَذِيرٌ مخوف مُبِينٌ مظهر وذلك الانذار على أكمل طرقه اى أبين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه بيانا ظاهرا لا شبهة فيه ولم يقل وبشير لان البشارة انما تكون لمن آمن ولم يكن أحد آمن كما اقتصر على الانذار في قوله تعالى قُمْ فَأَنْذِرْ تقديما للتخلية على التحلية أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ اى بان لا تعبدوا على انّ ان مصدرية والباء متعلقة بأرسلنا ولا ناهية اى أرسلناه ملتبسا بنهيهم عن الشرك قال في التأويلات النجمية قال نوح الروح لقومه القلب والنفس والبدن ان لا تعبدوا الدنيا وشهواتها والآخرة ودرجاتها فان عبادة اللّه مهما كانت معلولة بشئ من الدنيا والآخرة فإنه عبد ذلك الشيء لا اللّه على الحقيقة انتهى ولذا قالوا الرغبة في الايمان والطاعة لا تنفع الا إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه لكونه ايمانا وطاعة واما الرغبة فيه لطلب الثواب وللخوف من العقاب فغير مفيدة : قال الشيخ المغربي قدس سره در جنت ديدار تماشاى جمالت * باشد ز قصور ار بودم ميل بحورى إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ يوم القيامة أو يوم الطوفان . واليم يجوز ان يكون صفة يوم وصفة عذاب على أن يكون جره للجوار ووصفه بالأليم على الاسناد المجازى للمبالغة يعنى ان اسناد الأليم إلى اليوم اسناد إلى الظرف كقولك نهاره صائم واسناده إلى العذاب اسناد إلى الوصف كقولك جد جده والمتألم حقيقة هو الشخص المعذب المدرك لا وصفه ولا زمانه وإذا وصفا بالتألم دل على أن الشخص بلغ في تألمه إلى حيث سرى ما به من التألم إلى ما يلابسه من الزمان والأوصاف فالاليم بمعنى المؤلم على أنه اسم مفعول من الإيلام ويجوز ان يكون بمعنى المؤلم على أنه اسم فاعل وهو صفة اللّه تعالى في الحقيقة إذ هو الخالق للألم - روى - ان اللّه تعالى أرسل نوحا إلى قومه فجاءهم يوم عيد لهم وكانوا يعبدون الأصنام ويشربون الخمور ويواقعون النساء كالبهائم من غير ستر فنادهم بصوت عال ودعاهم إلى التوحيد ففزعوا ثم نسبوه إلى الجنون وضربوه وكذبوه كما قال تعالى فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ اى الاشراف منهم الذين ملأوا القلوب هيبة والمجالس أبهة ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من أول الأمر لا لان بعض اشرافهم ليسوا بكفرة ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا لا مزية لك علينا نخصك من دوننا بالنبوة ووجوب الطاعة ولو كان كذلك لرأيناه فالرؤية بصرية والا بشرا حال من المفعول ويجوز أن تكون قلبية وهو الظاهر فالا بشرا